يوسف المرعشلي

723

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

توفي والده بالطاعون ، فبقي المترجم في مصر يتلقى العلوم والفنون في جامع الأزهر ، فقرأ النحو والعلوم العربية على الشيخ محمد الدمنهوري ، والشيخ أحمد المرصفي ، والفقه والأصول على الشيخ إبراهيم البيجوري ، والحديث والتفسير على الشيخ مصطفى المبلط ، وقرأ على الشيخ محمد الجناني ، والشيخ حسن البلتاني ، والشيخ عياد الطنطاوي ، فنونا عديدة من معقول ومنقول ، وتلقى الحديث المسلسل خاصة على شيخ الوقت الشيخ أحمد البهيّ الشاذلي ، وأقام في الأزهر مكبّا على التحصيل ست عشرة سنة يستفيد ويفيد ، وعيّن هناك مدرّسا في إحدى العواميد بمعلوم ، ثم طلبه عمه العارف باللّه تعالى الشيخ أحمد أن يعود إلى وطنه ، فاستأذن مشايخه المشار إليهم بالحضور فأذنوا له وأجازوه إجازة عامة بما يروونه عن مشايخهم ، وحرروا له بخطوطهم إجازات حافلة ، ومن جملة ما حرره له العلامة المرصفي في إجازته مجيزا ومودعا : يا كعبة التحقيق والعليا ومن * لحقائق العرفان أنت مجاز عد سالما ومؤبدا فجنابكم * منا بأنواع العلوم مجاز وودّعه علماء عصره باثنتي عشرة قصيدة كل واحدة تزيد على ثلاثين بيتا ، ثم في أثناء عوده من مصر إلى حلب مر على القدس الشريف واجتمع هناك بأفاضلها ، ثم مر على يافا واجتمع هناك بصديقه الشيخ حسن أبي الإقبال الدجاني ، ثم أتى إلى بيروت وكان قد بلغه أن العلامة الكزبري بالشام عالي السند في الحديث ، فتوجه في بيروت إلى الشام للأخذ عن العلامة المذكور ، وحصل له احتفال عظيم من أفاضلها وأجازه المشار إليه بما يرويه عن مشايخه إجازة عامة ، ثم حضر إلى حلب وذلك سنة 1266 ، وعلى إثر حضوره فرغ عليه عمه التدريس في جامع الصروى الكائن في محلة البياضة بعد امتحانه ، وأكب على قراءة الدروس والإفادة في فنون عديدة ، وصار بعد وفاة عمه الأستاذ الكبير الشيخ أحمد مدرّسا في المدرسة الرحيمية ، وأقبلت عليه الطلبة ، فأخذ عنه كثيرون فضلوا به منهم : العلامة الشيخ أحمد الزويتيني مفتي الحنفية بحلب ، والشيخ سعيد السنكري ، والشيخ عبد القادر المشاطي ، والشيخ أحمد الكواكبي ، والشيخ محمد الرزاز ، والعلامة الشيخ محمد الزرقا ، والشيخ أحمد المكتبي ، والشيخ عبد اللّه سلطان ، والشيخ محمد البدوي ، وغيرهم من الواردين إلى حلب . ثم توجّه عليه درس الحديث في الجامع الأموي أمام الحضرة ، وصار له إقبال تام من وجهاء حلب وكبرائها ومن الأمراء ، ومن جملة من قرأ عليه من الوزراء جميل باشا والي حلب وكان له عنده المنزلة السامية والشفاعة المقبولة ، واستجازه بالحديث الحاج محمد توفيق أفندي النوشهري الذي حضر مفتشا على إدارة الجفتلك الهمايوني ، وكذلك استجازه بالحديث ملا صاحب بك الذي حضر مفتشا على والي حلب جميل باشا ، وعرض عليه إفتاء الحنفية مرارا فلم يقبلها . وكان له اليد الطولى في فن النظم والنثر ، ونظم قواعد فقهية ونصائح حكمية ودينية ، وجمع من نظمه ديوان معظمه مديح في الحضرة النبوية أضاعته أيدي الزمان ، ولم يصل إلينا من شعره إلا القليل ، فمنه قصيدة وداعية ودّع بها أحد رفقائه المجاورين في الأزهر مطلعها : قسما بالعيون ذات المهند * إن قلبي عن السرور مجرد كيف عيش المحب بعدك يحلو * وصميم الفؤاد منه توفّد حين مسراك للديار عيوني * قد كستها الدموع ثوبا مورّد إن يغب شخصك البهي غيابا * فبقلبي معناك دوما مخلّد اسأل اللّه أن ترد علينا * عن قريب وبالمعالي ممجّد وأرى هذه شمائل تدعى * باسم خير الورى حبيبي محمد ومنه وقد أجاد : كن مستقيما في الأمور جميعها * فإذا استقمت تك المقدم في الملا أفلا ترى ألف الهجاء تقدمت * لما استقامت فهي تكتب أولا